خواجه نصير الدين الطوسي

43

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

قال : لا يقال : جزم العقل بهذه القضايا استدلاليّ ، لا بديهىّ . لأنّا نقول : لو كان كذلك لوجب أن لا يحصل هذا الجزم إلّا لمن عرف ذلك الدّليل . ولمّا لم يكن كذلك ، بل هو حاصل للصّبيان والمجانين ، ولمن لم يمارس شيئا من الدّلائل ، علمنا أنّه بديهىّ ، لا نظرىّ . على أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا وتأمّلنا أحوالنا علمنا أنّ علمي - بأنّ زيدا الّذي أشاهده الآن هو الّذي شاهدته قبل ذلك بلحظة ، وأنّه لا يجوز أن يقال : عدم الاوّل وحدث مثله - ليس أضعف من علمي بأنّ الشّيء إمّا أن يكون موجودا أو معدوما . أقول : هذا الكلام هو الدّليل على أنّ القدح في الضّروريّات بما أورده من الاحتمالات لا يؤثّر في الجزم العقلي أصلا . قال : الحجة الثالثة مزاولة الصّنائع العقليّة تدلّ على أنّ الانسان قد يتعارض عنده دليلان في مسألة عقليّة بحيث يعجز عن القدح في كلّ واحد منهما إمّا عجزا دائما أو في بعض الأحوال . والعجز لا يتحقق إلّا عند كونه مضطرا إلى اعتقاد صحّة جميع المقدّمات الّتي في الدّليلين . ولا شكّ أنّ واحدا منهما خطأ ، وإلّا لصدق النّقيضان . وهذا يدلّ على أنّ البديهة قد تجزم بما لا يجوز الجزم به . الحجة الرابعة قد يكون الانسان جازما بصحّة جميع مقدّمات دليل معيّن ، ثم يتبيّن له خطأ في بعض تلك المقدّمات . ولأجل ذلك ينتقل الرّجل من مذهب إلى مذهب ، فجزمه بصحّة تلك المقدّمة الباطلة باطل . فظهر أنّ البديهة متّهمة . أقول : قصور أفهام بعض النّاس عن التّميز بين الحق والباطل ، واعتمادهم على ما يتقلّدونه من آبائهم أو أساتذتهم ، بموجب حسن ظنّهم فيهم ، ليس بقادح في في الأوّليّات . وأيضا التّشكك في النّظريّات بسبب تعارض الدّليلين ، أو النّقل من مذهب إلى مذهب بسبب ترجّح أحد دليلين متعارضين لا يقدح في النّظريّات . وصناعة المنطق لا سيّما صناعة سوفسطيقا منه إنّما بيّن لارشاد العقلاء إلى طريق الحق ومجانبة ما يقتضي الضّلال في العقائد والمباحث النّظريّة .